الصالحي الشامي
153
سبل الهدى والرشاد
الفعل فاعلم أنهم أرادوا قبل مضي زمن يسع الفعل الأول . هذا هو المتخلف فيه ، وإلا فكل نسخ متفق عليه لا يتصور إلا قبل الفعل ما فعل مضى وانقطع التكليف به والنسخ فيه . قال : وإذا سمعتهم يقولون نسخ التكليف قبل البلاغ متعذر لأن شرط التكليف البلاغ فاعلم أنهم يريدون تنجيز التكليف ، هذا هو المشروط بالبلاغ . وأما أصل التكليف عندنا فلا يتوقف على ذلك فإن مذهبنا أن الأمر قديم محقق قبل وجود المأمور فضلا عن بلاغة والله تعالى الموفق . التنبيه الرابع والمائة : قال بعض أهل الإشارات : " لما تمكنت المحبة من قلب موسى عليه السلام أضاءت له أنوار نور الطور ليقتبس ، فاحتبس فلما نودي في النادي اشتاق إلى المنادي فكان يطوف في بني إسرائيل فيقول : من يحملني حتى أبلغ رسالة ربي ، ومراده أن تطول المناجاة مع الحبيب ، فلما مر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ردده في أمر الصلاة ليسعد برؤية حبيب الحبيب . وقال آخر : لما سأل موسى عليه السلام الرؤية ولم تحصل له البغية ، بقي الشوق يقلقه والأمل يعلله ، فلما تحقق أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم منج الرؤية وفتح له باب المزية أكثر السؤال ليسعد برؤية من قد رأى ، كما قيل : وأستنشق الأرواح من نحو أرضكم * لعلي أراكم أو أرى من يراكم وأنشد من لاقيت عنكم عساكم * تجودون لي بالعطف منكم عساكم فأنتم حياتي إن حييت وإن أمت * فيا حبذا إن مت عبد هواكم وقال آخر : وإنما السر في موسى يردده * ليجتلي حسن ليلى حين يشهده يبدو سناها على وجه الرسول فيا * لله در رسول حين أشهده وقال آخر : لما جلس الحبيب في مقام القرب ، دارت عليه كؤوس الحب ، ثم عاد وهلال ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) ( النجم : 11 ) بين عينيه ، وبشر ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) ( النجم : 10 ) ملء قلبه وأذنيه . فلما اجتاز بموسى عليه السلام قال لسان حاله لنبينا صلى الله عليه وسلم : يا واردا من أهيل الحي يخبرني * عن جيرتي شنف الأسماع بالخبر ناشدتك الله يا راوي حديثهم * حدث فقد ناب سمعي اليوم عن بصري فأجاب لسان حال نبينا صلى الله عليه وسلم : ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا * سر أرق من النسيم إذا سرى وأباح طرفي نظرة أملتها * فغدوت معروفا وكنت منكرا